الشيخ محمد رشيد رضا
213
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أي انتظروا أيها الكفار المعاندون ما تتوقعون اتيانه ووقوعه بنا واكتفاء أمر الاسلام به انا منتظرون وعد ربنا لنا ووعيده لكم ، كقوله تعالى ( 10 : 102 فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) - أو انتظروا ما ليس أمامكم سواه في الواقع ونفس الامر وان كنتم تجهلونه ولا تفكرون فيه وهو هذه الأمور الثلاثة انا منتظروها على علم وايمان - وهي مجيء الملائكة لقبض أرواح الافراد أو اتيان الرب تعالى أي أمره بما وعدنا من النصر . وأوعدكم من الخزي والخسر . أو اتيانه تعالى لحساب الخلق ، أو اتيان بعض آياته الدالة على تصديق رسوله قبيل قيام الساعة . . . وهذا الامر يتضمن التهديد كقوله تعالى ( 11 : 120 وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ * 121 وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ) والآية المفسرة بمعنى قوله تعالى ( 32 : 29 قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 30 ) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ) * * * ( 159 ) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ، إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ قد كانت خاتمة ما وصى اللّه تعالى به هذه الأمة على لسان خاتم رسله آنفا الامر باتباع صراطه المستقيم والنهي عن اتباع غيره من السبل وقد ذكر بعد تلك الوصايا شريعة التوراة المشابهة لشريعة الآن ووصاياه بما علم به أن هذه أكمل لان الأشياء انما تكمل بخواتيمها وقفى على ذلك بالمقارنة بين أهل الكتاب والعرب أئمة أهل الآن مذكرا إياهم باعتقادهم أنهم أقوى من أهل الكتاب استعدادا للهداية محتجا عليهم بذلك عسى أن يثوب المستعدون للايمان إلى رشادهم ، ويفكر المعاندون في عاقبة عنادهم ، وتلا ذلك تذكيره لهم ولسائر المخاطبين بالآن بما ينتظر في آخر الزمان لكل من الأمم والافراد ، ولما تمت بذلك الحجة . ووضحت المحجة . ذكر تعالى جده وجل ثناؤه هذه الأمة بما هي عرضة له بحسب سنن الاجتماع من إضاعة الدين بعد الاهتداء به بمثل ما أضاعه به من قبلهم وهو الاختلاف والتفرق فيه بالمذاهب والآراء والبدع التي تجعلهم أحزابا وشيعا تتعصب كل منها لمذهب من المذاهب أو امام فيضيع العلم وتنفصم عروة الوحدة